حين تلتقط صورة ليلية واضحة بهاتفك، أو تقترح لوحة المفاتيح الكلمة التالية قبل أن تكتبها، فأنت تستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن تنتبه. هذه التقنيات موجودة في الهواتف منذ سنوات، لكن الجديد هو انتقال جزء متزايد منها من الخوادم البعيدة إلى داخل الجهاز نفسه، وتحولها من خدمات متفرقة إلى طبقة تمس كل ما تفعله تقريبًا.
بالنسبة إلى القارئ العربي، يعني هذا التحول أمرين عمليين: تجربة أسرع وأكثر خصوصية في المهام اليومية، ومعيارًا جديدًا يجب أخذه في الحسبان عند المفاضلة بين الهواتف، إلى جانب الشاشة والكاميرا والبطارية.
من السحابة إلى الشريحة: لماذا تهم المعالجة على الجهاز؟
اعتمدت المساعدات الذكية في بداياتها على إرسال طلبك إلى خوادم الشركة لمعالجته ثم إعادة النتيجة. هذا النموذج ما زال قائمًا للمهام الثقيلة، لكن الشرائح الحديثة باتت تضم وحدات مخصصة لعمليات التعلم الآلي، تُعرف عادة بوحدات المعالجة العصبية. فشريحة A18 Pro في iPhone 16 Pro تضم محرك Neural Engine، وتحتوي Snapdragon 8 Elite في Galaxy S25 Ultra على وحدة NPU، بينما صممت Google شريحة Tensor G4 في Pixel 9 مع تركيز واضح على مهام الذكاء الاصطناعي.
المعالجة المحلية تمنح ثلاث مزايا واضحة:
- السرعة: لا انتظار لرحلة البيانات ذهابًا وإيابًا عبر الشبكة.
- الخصوصية: بقاء الصور والرسائل على الجهاز يقلل ما يُرسل إلى الخارج.
- العمل دون اتصال: بعض الميزات تظل متاحة في الطائرة أو في مناطق التغطية الضعيفة.

الكاميرا أول المستفيدين
التصوير الحاسوبي هو المجال الذي يلمس فيه المستخدم أثر الذكاء الاصطناعي أكثر من غيره. فالهاتف لا يلتقط صورة واحدة عند الضغط على الزر، بل يدمج عدة لقطات، ويتعرف على المشهد، ويفصل الشخص عن الخلفية، ويعالج الإضاءة والضوضاء في أجزاء من الثانية. ولهذا قد تتفوق صورة هاتف ذي مستشعر متوسط على أخرى من هاتف بمستشعر أكبر إذا كانت معالجته أذكى.
امتدت هذه القدرات إلى التحرير أيضًا: حذف عناصر غير مرغوبة من الصورة، وتحسين الصور القديمة، واقتراح قص أفضل. ونرى أن قيمة هذه الأدوات تكمن في توفير الوقت، بشرط أن يبقى المستخدم واعيًا بأن الصورة المعدلة لم تعد توثيقًا دقيقًا للحظة.
اللغة والترجمة والتلخيص
المحور الثاني هو اللغة. أصبحت الهواتف قادرة على تفريغ التسجيلات الصوتية نصًا، وتلخيص المقالات والرسائل الطويلة، واقتراح ردود، وترجمة المحادثات. ويبقى دعم العربية متفاوتًا بين الشركات والميزات، فبعض الخدمات تصل إلى الإنجليزية أولًا ثم تتوسع لاحقًا، لذلك من الحكمة التحقق من دعم العربية ولهجاتها في الميزة التي تهمك تحديدًا قبل الشراء.

البطارية والخصوصية: الوجه الآخر للمعادلة
تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة وذاكرة، ولهذا تتجه الشركات إلى نماذج أصغر مصممة للهواتف، وإلى توزيع المهام بين الجهاز والسحابة. والذكاء الاصطناعي يساعد هنا أيضًا، إذ تتعلم أنظمة التشغيل أنماط استخدامك لتقليل استهلاك التطبيقات في الخلفية.
كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من بياناتك الشخصية، صار سؤال من يطّلع عليها أهم من سؤال ماذا يستطيع أن يفعل.
في الجانب الآخر، تحتاج الميزات الأذكى إلى الوصول إلى صورك ورسائلك وتقويمك. لذلك تستحق صفحة الأذونات والإعدادات الخاصة بالذكاء الاصطناعي في هاتفك مراجعة دورية، لمعرفة ما يُعالج محليًا وما يُرسل إلى الخوادم.
ما الذي تبحث عنه في هاتفك القادم؟
لا تنجرف وراء الشعارات التسويقية، وركز على ما ستستخدمه فعلًا:
- تحقق من الميزات المدعومة بالعربية في بلدك، لا من قائمة الميزات العامة.
- اسأل عن مدة تحديثات النظام، لأن كثيرًا من ميزات الذكاء الاصطناعي تصل عبر التحديثات.
- انتبه إلى سعة الذاكرة العشوائية، فالنماذج المحلية تستفيد من الذاكرة الأكبر.
- اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بالميزات التي تعمل عبر السحابة.
يبدو أن الهاتف يتجه ليصبح مساعدًا يفهم السياق بدل أن يكون مجموعة تطبيقات منفصلة. لكن القيمة الحقيقية ستُقاس بما يوفره من وقت وجهد في استخدامك اليومي، لا بعدد الميزات المعلنة.



